يحيى العامري الحرضي اليماني

439

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وفيها وزير صاحب الموصل محمد بن علي ، عرف بالجواد لسعة جوده ، وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء السلجوقيين . أجرى إلى عرفات عينا أيام الموسم من مكان بعيد ، وبنى سور المدينة الشريفة وما خرب من مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان يحمل في كل سنة لفقراء الحرمين ما يبلغهم السنة المستقبلة نفقة وكسوة ، وأقام على ذلك إلى أن توفي سلطانه غازي وتولى أخوه قطب الدين ، فقبض عليه وحبسه إلى أن توفي ، وصلّى عليه ، وكان يوم موته يوما مشهودا ، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ، ثم نقل إلى مكة ، وطيف به حول الكعبة بعد أن وقفوا به على الجبل ، ثم حمل إلى المدينة ، وطيف به حول الحجرة المقدسة ، وكان قد صحبه شخص يعدد مزاياه في الإسلام ، ويصيح بها في المواقف العظيمة ، ثم دفن بالبقيع « 1 » .

--> ( 1 ) في الأصل زيادة في المتن ، أشار الناسخ إلى بدايتها ونهايتها ، والغالب أنها ليست من أصل الكتاب ، وهي ليست في ب ، ولذا فقد أثبتها في الحاشية ، وهذا نصها : قال في بعض التواريخ ما لفظه : اسم هذا الوزير محمد بن أبي منصور الأصفهاني ، وزير بني زنكي ، أحد الأجواد ، بنى رباطا في المدينة الشريفة أوقفه على فقراء العجم ، وجعل فيه تربة لها شباك ، وكان بينه وبين أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين بن أيوب عهد على أن من مات منهما قبل صاحبه حمله الآخر إلى المدينة الشريفة ويدفنه فيها ، فلما تقدم موت محمد دفع أسد الدين للشيخ أبي القاسم الصوفي مالا كثيرا ، فحمله إلى الحرمين ومعه جماعة يقرءون بين يدي تابوته ، فلما كان بالجنائد اجتمع الناس للصلاة عليه ، فارتفع شاب على موضع وأنشد بأعلى صوته : سرى نعشه فوق الرقاب وطالما * سرى جوده فوق الرقاب ونائله يمر على الوادي فتثني رماله * عليه وبالبادي فتثني أرامله فلم نر باكيا أكثر من ذلك اليوم ، ثم وصلوا به إلى مكة ، وطافوا حول الكعبة ، وصلوا عليه عندها ، ثم أعادوه إلى المدينة فصلوا عليه ودفنوه بتربته سنة ( 559 ) ، وكان له آثار جميلة ولا سيما بالحرمين ، وهو الذي بنى سور المدينة ، ومن قبله رباطة بتربة أسد الدين شيركوه وأخيه نجم الدين ، حملوا من مصر إلى المدينة الشريفة بعد موتهما سنة ست وسبعين وخمسمائة .